فقد المغرب واحدًا من أبرز أصواته الإعلامية برحيل حميد برادة، الصحافي والمفكر الذي واكب بقلمه وحواراته أكثر من نصف قرن من تاريخ البلاد السياسي والإعلامي.
حميد برادة بين طنجة والمنفى والمنابر الدولية
وُلد حميد برادة في 3 دجنبر 1939 بمدينة طنجة، داخل أسرة ذات مرجعية وطنية. انخرط مبكرًا في العمل الطلابي والسياسي، وانتُخب سنة 1962 رئيسًا للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، في سياق كان يعرف حركية قوية داخل صفوف الشباب.
بعد عام واحد، وفي ظل توترات سياسية حادة، صدر في حقه حكم بالإعدام غيابيًا، ما دفعه إلى المنفى بين الجزائر وفرنسا، قبل أن يعود إلى المغرب سنة 1978. هذه التجربة، التي جمعت بين القطيعة القسرية واستمرار الارتباط بالوطن، تشبه في بعض ملامحها مسارات كثير من المغاربة الذين يعيشون اليوم خارج البلاد.
تكوّن برادة في الفلسفة والحقوق وعلم الاجتماع السياسي، قبل أن يختار الصحافة مجالًا أساسيًا لعمله ونقاشه الفكري. التحق بالمجلة الأسبوعية جون أفريك، وتدرج داخلها إلى أن أصبح من كبار مراسليها ثم رئيسًا للتحرير بين 1974 و1985.
مرجع في فن الحوار السياسي
مع مرور السنوات، رسّخ حميد برادة اسمه كواحد من أهم أعمدة صحافة الحوار في الفضاء الفرنكفوني، من خلال مقابلات معمقة مع شخصيات سياسية وفكرية من المغرب والمغرب الكبير وإفريقيا.
ومن بين من حاورهم الملك الحسن الثاني، والوزير الأول الأسبق عبد الرحمن اليوسفي، والمؤرخ عبد الله العروي، والرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة، والمعارض حسين آيت أحمد، والفاعل السياسي راشد الغنوشي، والرئيس السنغالي والمفكر ليوبولد سيدار سنغور، فضلًا عن السياسي المغربي محمد بوستة.
لاحقًا، تولى برادة إدارة منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط بقناة TV5، مضيفًا بعدًا جديدًا لدوره كجسر إعلامي بين المغرب والمنطقة والعالم الفرنكفوني. بالنسبة لكثير من المغاربة المقيمين في الخارج، مثل هذه المنابر شكلت لسنوات إحدى النوافذ القليلة على النقاش العمومي في المغرب.
ذاكرة حية للأجيال المغربية في الداخل والخارج
في سنة 2025، أصدر هذا الملف الجزء الأول من كتابه أنطولوجيا الحوارات، وهو عمل يتجاوز 700 صفحة يضم حوارات أجراها بين 1977 و2012. يشكل هذا العمل أرشيفًا منتقى يضيء تحولات سياسية ودبلوماسية وفكرية في المغرب ومحيطه.
بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، تمثل هذه الأنطولوجيا مدخلًا مهمًا لفهم فصول من التاريخ المعاصر يصعب أحيانًا تتبعها عن بعد. فهي تتيح للقارئ:
- استرجاع النقاشات التي رافقت التحولات السياسية في المغرب؛
- فهم تفاعلات القادة في المغرب العربي وإفريقيا؛
- نقل ذاكرة تاريخية منظمة إلى الأجيال الجديدة المولودة خارج الوطن.
شارك برادة كشاهد في جلسات هيئة الإنصاف والمصالحة، وواصل التدريس الجامعي إلى حين تقاعده، ما جعله يجمع بين أدوار الصحافي والباحث والشاهد على مرحلة حساسة من تاريخ المغرب. أعماله وحواراته تشكل اليوم مادة مرجعية لكل من يريد الإبقاء على صلة معرفية متينة بالمغرب، سواء من داخل البلاد أو من خارجها.
إرث مشترك بين المغاربة في الوطن والمهجر
عقب إعلان وفاة هذه القضية، تواترت عبارات التأبين على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث نعاه صحافيون ومفكرون من أجيال مختلفة. ووصفه الصحافي توفيق بوعشرين بـ”عميد الصحافيين المغاربة”، مشيدًا بمساره المهني وبصفاته الإنسانية.
بالنسبة للأسر المغربية المستقرة في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الخليج وغيرها، يذكّر إرث هذا الموضوع بأهمية الحفاظ على مرجعيات ورموز مشتركة، تتجاوز المسافة الجغرافية. فعدد كبير من حواراته وكتاباته يبقى متاحًا للقراءة والمتابعة من الخارج، ويساعد على فهم تطور المغرب عند التفكير في العودة، أو الاستثمار، أو قضاء مدد أطول في الوطن.
ومع تزايد أعداد الشباب المغاربة الذين يكبرون بعيدًا عن التراب الوطني، يمكن للعودة إلى أعمال شخصيات مثل برادة أن تسهم في نقل صورة أكثر توازنًا عن المغرب، بتعقيداته ونقاشاته وتحولاته.
برحيل هذه المستجدات يخفت صوت صحافي اختار الدقة والعمق في سرد حكاية البلد، لكن الأثر الذي تركه يظل متاحًا لكل من يسعى إلى الحفاظ على علاقة واعية ومتجذرة مع المغرب.
للاطلاع على معلومات رسمية ومواكبة خطواتكم في مشاريع العودة أو الاستثمار أو تسوية الأوضاع الإدارية بالمغرب، يمكنكم زيارة البوابة الرسمية الموجهة للمغاربة المقيمين بالخارج، إلى جانب الاستفادة من دليل قناة 212 العملي حول الإجراءات المفيدة.
للمزيد من السياق، يمكن الرجوع إلى آخر أخبار Canal212 الموجهة لمغاربة العالم.
لا تفوتوا أي شيء من أخبار الجالية!
اشترك في نشرتنا الإخبارية القادمة لتتلقى أدلةنا العملية ونصائحنا (الإجراءات، الاستثمار) وأهم أخبار المغتربين المغاربة مباشرةً في بريدك الإلكتروني.

