كيف كان يمكن أن يبدو الإنسان العاقل الذي عاش في المغرب قبل نحو 315 ألف سنة؟ دراسة جديدة تقدم جواباً بصرياً عن هذا السؤال، عبر إعادة بناء رقمية لوجه اعتماداً على حفريات موقع جبل إيغود بإقليم اليوسفية.
فريق دولي يقوده المتخصص البرازيلي في التقريب الوجهي الرقمي تشيشيرو مورايِس نشر نتائجه في 13 شتنبر 2026 في المجلة العلمية Heritage. واعتمد الباحثون نموذجاً رقمياً لجمجمة تركيبية من الموقع المغربي من أجل اقتراح تقريب لوجه هذا الممثل القديم لنوعنا البشري.
جبل إيغود: وجه عمره 315 ألف سنة
تُعد حفريات جبل إيغود من أقدم البقايا المنسوبة إلى الإنسان العاقل. فقد أظهرت أبحاث نُشرت سنة 2017 أن عمرها يقارب 315 ألف سنة، وهو ما غيّر بشكل عميق المعطيات المتاحة حول المراحل الأولى من تطور نوعنا.
ويمتاز هذا الموقع المغربي بخصوصية مهمة؛ إذ تبين الحفريات أن ملامح الوجه قريبة نسبياً من ملامح الإنسان المعاصر، في حين تحتفظ علبة الدماغ بخصائص أقدم.
هذا المزج بين سمات حديثة وأخرى بدائية جعل من جبل إيغود موقعاً محورياً لفهم تطور الإنسان العاقل في إفريقيا.
جمجمة تركيبية في قلب عملية الإعادة
لم يعمل الباحثون على جمجمة كاملة لشخص واحد.
فالنموذج الرقمي يعتمد أساساً على الحفرية المعروفة باسم إيغود 1، التي اكتشفت سنة 1961، ثم جرى استكمالها بعناصر أخرى من حفريات عُثر عليها في نفس الطبقة الأثرية، ومنها فك سفلي وأجزاء سنية.
بعد ذلك أنجز الفريق نموذجاً ثلاثي الأبعاد انطلاقاً من معطيات وصور رقمية نشرها معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية.
هذه المنهجية مكنت الباحثين من الحصول على بنية قحفية منسجمة يمكن تطبيق تقنيات التقريب الوجهي عليها.
كيف أُعيد بناء الوجه؟
استعان الفريق بمسح ثلاثي الأبعاد لإنسان بالغ معاصر كنقطة انطلاق. ثم جرى تشويه هذا النموذج رقمياً ليتلاءم هيكله العظمي مع جمجمة جبل إيغود.
وتبعت الأنسجة الرخوة هذا التحويل، كما استخدم الباحثون معطيات تشريحية حديثة لتقدير سماكة الأنسجة الوجهية.
والنتيجة تقريب تشريحي يُعتبر معقولاً لشكل الوجه العام.
مع ذلك، لا ينبغي التعامل مع هذه الصورة كما لو كانت تصويراً فوتوغرافياً دقيقاً للرجل الذي عاش في جبل إيغود.
ملامح تبدو إنسانية بشكل لافت
تُظهر إعادة البناء وجهاً عريضاً، مع منطقة حواجب بارزة وبنية وجهية تحمل أكثر من تشابه مع الإنسان الحالي.
هذه الصورة لا تُعد مفاجِئة تماماً؛ فحفريات جبل إيغود كشفت من قبل أن عدداً من سمات الوجه والفك والأسنان قريبة من سمات الإنسان العاقل في فترات لاحقة.
في المقابل، تحتفظ علبة الدماغ بشكل أكثر بدائية، وهو ما يجعل هذا المزيج بين سمات حديثة وقديمة ذا قيمة خاصة في دراسة تطور الإنسان.
نسخة علمية وأخرى فنية
أنتج الفريق نوعين من التمثيلات البصرية.
النسخة الأولى معروضة بتدرجات الرمادي ومن دون شعر أو لحية، وهدفها إبراز نتيجة التقريب التشريحي بأكبر قدر من الحياد.
أما النسخة الثانية فمُلونة، أضيفت إليها درجة لون البشرة إلى جانب الشعر واللحية. هذه العناصر لا تستند مباشرة إلى الحفريات، بل يقدمها الباحثون كت اختيارات فنية لتسهيل التواصل العلمي مع الجمهور الواسع.
هذه التفرقة أساسية؛ فالعظام تسمح بتقدير جزء من بنية الوجه، لكنها لا تكشف بدقة عن لون البشرة أو قصة الشعر أو وجود اللحية لدى هذا الفرد.
دماغ بحجم مقارب لكن بشكل مختلف
تقدم الدراسة أيضاً معطيات حول جوف الجمجمة.
قدّر الباحثون حجمه بحوالي 1٬364 ميليلتر في النموذج، وأكدوا أن هذه القيمة منسجمة مع القياسات التي توصلت إليها دراسات سابقة حول حفريات جبل إيغود، ومع نطاق التغير المسجل لدى البشر المعاصرين.
مع ذلك، فإن الحجم وحده لا يكفي لفهم الصورة بالكامل؛ فالشكل العام لعلبة دماغ جبل إيغود ما زال يختلف عن شكل جمجمة الإنسان الحالي.
وتدعم هذه الملاحظة فكرة أن خصائصنا التشريحية تطورت تدريجياً عبر مراحل متعددة.
جبل إيغود، محطة أساسية في تاريخ الإنسان
غيرت اكتشافات جبل إيغود بشكل عميق الجدول الزمني لتاريخ تطور الإنسان.
فقبل نشر أبحاث سنة 2017، كان يُنظر إلى أقدم حفريات منسوبة إلى الإنسان العاقل على أنها أحدث بكثير. أما التأريخ الجديد فدفع بتاريخ ظهور نوعنا إلى ما يقارب 315 ألف سنة.
وبذلك ساهم الموقع المغربي في مراجعة فكرة أن الإنسان العاقل ظهر متأخراً وفي منطقة محدودة فقط.
وتشير الحفريات بدلاً من ذلك إلى قصة تطورية معقدة، تجمع بين سمات قديمة وأخرى حديثة.
إعادة بناء يجب التعامل معها بحذر
تسمح الصورة الجديدة المنسوبة لجبل إيغود بجعل هذه القصة العلمية أكثر قرباً من الواقع بالنسبة للقارئ.
فهي تقدم للجمهور تصوراً مقنعاً لوجه ينتمي إلى مجموعة من الإنسان العاقل عاشت في شمال إفريقيا قبل نحو 315 ألف سنة.
مع ذلك يبقى التحفّظ ضرورياً؛ فهذا الوجه لا يعود إلى شخص مُعرَّف بدقة، بل هو تقريب يعتمد على جمجمة تركيبية مدعومة بمعطيات تشريحية حديثة، بينما تتضمن عناصر مثل لون البشرة والشعر واللحية هامشاً من التأويل.
ومع كل هذه الحدود، تظل حفريات جبل إيغود تحتل موقعاً رئيسياً في فهم تاريخ نوعنا، ولا تزال توفر معطيات جديدة حول المراحل الأولى من تطور الإنسان العاقل.
مصادر خارجية:
لا تفوتوا أي شيء من أخبار الجالية!
اشترك في نشرتنا الإخبارية القادمة لتتلقى أدلةنا العملية ونصائحنا (الإجراءات، الاستثمار) وأهم أخبار المغتربين المغاربة مباشرةً في بريدك الإلكتروني.

